أبو علي سينا
مقدمة الشفاء 29
الشفاء ( المنطق )
حقا إن حملة الغزالي على الفلسفة والفلاسفة سدت الطريق في وجهه ، وصرفت عنه كثيرين ، ولكن ما بقي في الإسلام من دراسات فلسفية مدين له . ولم تعد مدرسة الأندلس على شئ من نفوذه في الشرق ، برغم مجيئها بعده ، وتعدد رجالها ، وعظم منزلتهم ، وخاصة ابن رشد الذي خلف ثروة فلسفية طائلة . ويظهر أن حظ هذه المدرسة ارتبط بحظ الأندلس جميعه ، لهذا لم يكن غريبا أن نرى ابن رشد أوثق صلة بالعالم اللاتيني منه بالعالم العربي « 1 » . ولقد تدورست كتب ابن سينا من بعده ، وكان الإقبال على " النجاة " و " الإشارات " عظيما . إلا أن هذا لم يصرف طلاب الفلسفة عن " الشفاء " لا سيما وفيه مادة لا يغنى عنها الكتابان الآخران ، وكلما امتد البحث إلى التفاصيل والدقائق بدا لزومه واشتدت الحاجة إليه . فالغزالى مثلا في " تهافت الفلاسفة " ، والشهرستاني في " نهاية الإقدام " حين يفصلان القول في حدوث العالم واستحالة قدمه يحكيان على لسان ابن سينا آراء استمدا أغلبها من " الشفاء " « 2 » . ولسنا في حاجة أن نشير إلى أن ابن رشد كثيرا ما ينقل عن " الشفاء " مؤيدا أو معارضا ، ويصرح باسمه في بعض كتبه « 3 » . وندع جانبا نصير الدين الطوسي الذي يعد من تلاميذ ابن سينا المخلصين ، وإن تأخر عنه بنحو قرنين ونصف ، وموقفه من فخر الدين الرازي ومعارضته له بسبب الآراء السينوية معروف « 4 » . وقد أدرك ابن خلدون ما " للشفاء " من أهمية ، فنوّه عنه في غير ما موضع من " مقدمته " « 5 » .
--> ( 1 ) Renan , Averroes et l averroisme , Paris , 1925 , pp . 36 - 42 . ( 2 ) الغزالي ، تهافت الفلاسفة ، بيروت ، 1927 ، ص 23 - 78 ، 79 - 132 ؛ الشهرستاني ، نهاية الإقدام ، لندن ، 1934 ، ص 25 - 29 ، 33 - 35 ، 224 - 225 . ومما يلفت النظر أن هذين الباحثين تعاصرا فتلاقيا إلى حد كبير في اتجاههما ، دون أن يتقابلا فيما يظهر . ( 3 ) Nallino , art . cit . ( 4 ) نصير الدين الطوسي ، شرح الإشارات ، وبهامشه شرح الرازي ، القاهرة 1325 ه ؛ قطب الدين الرازي ، المحاكمات بين الإمام والنصير ، القاهرة 1290 ه . ( 5 ) ابن خلدون ، مقدمة ، بيروت ، 1879 ، ص 421 ، 424 ، 429 .